الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يحسن تعلقه ب بالِغَةٌ تعلق الظرف اللغو لأنه يصير بالِغَةٌ مستعملا في معنى مشهور قريب من الحقيقة ، ومحمل بالِغَةٌ على الاستعارة التي ذكرنا أجزل وجملة إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ بيان ل أَيْمانٌ ، أي أيمان بهذا اللفظ . ومعنى ( ما تحكمون ) تأمرون به دون مراجعة ، يقال : نزلوا على حكم فلان ، أي لم يعينوا طلبة خاصة ولكنهم وكلوا تعيين حقهم إلى فلان ، قال خطاب أو حطان بن المعلّى : أنزلني الدّهر على حكمه * من شامخ عال إلى خفض أي دون اختيار لي ولا عمل عملته فكأنني حكمت الدّهر فأنزلني من معاقلي وتصرف فيّ كما شاء . ومن أقوالهم السائرة مسرى الأمثال « حكمك مسمّطا » ( بضم الميم وفتح السين وفتح الميم الثانية مشددة ) أي لك حكمك نافذا لا اعتراض عليك فيه . وقال ابن عثمة : لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول [ 40 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 40 ] سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ( 40 ) استئناف بياني عن جملة أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ [ القلم : 39 ] ، لأن الأيمان وهي العهود تقتضي الكفلاء عادة قال الحارث بن حلّزة : واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّ * م فيه العهود والكفلاء فلما ذكر إنكار أن يكون لهم عهود ، كمل ذلك بأن يطلب منهم أن يعينوا من هم الزعماء بتلك الأيمان . فالاستفهام في قوله : سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ مستعمل في التهكم زيادة على الإنكار عليهم . والزعيم : الكفيل وقد جعل الزعيم أحدا منهم زيادة في التهكم وهو أن جعل الزعيم لهم واحدا منهم لعزتهم ومناغاتهم لكبرياء اللّه تعالى . [ 41 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 41 ] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 41 ) أَمْ إضراب انتقالي ثالث إلى إبطال مستند آخر مفروض لهم في سند قولهم : إنا نعطى مثل ما يعطى المسلمون أو خيرا مما يعطونه ، وهو أن يفرض أن أصنامهم تنصرهم